الخطيب الشربيني
248
مغني المحتاج
تنبيه : محل نبشه إذا لم يتهر ، فإن تهرى ترك ، ولا يجري هذا الحكم في حرم المدينة لاختصاص حرم مكة بالنسك ، وثبت أنه ( ص ) أدخل الكفار مسجده ، وكان ذلك بعد نزول براءة ، فإنها نزلت سنة تسع وقدم الوفد عليه سنة عشر وفيهم وفد نصارى نجران ، وهم أول من ضرب عليهم الجزية فأنزلهم مسجده وناظرهم في أمر المسيح وغيره . ( وإن مرض في غيره ) أي غير حرم مكة ( من الحجاز وعظمت المشقة في نقله ) سواء خيف مع ذلك موته أم لا ( ترك ) مراعاة لأعظم الضررين لأنه يجوز دخوله في الجملة ( وإلا ) بأن لم تعظم المشقة فيه ( نقل ) مراعاة لحرمة الدار ( فإن مات ) فيه ( وتعذر نقله ) إلى الحل لتقطعه مثلا ( دفن هناك ) للضرورة ، فإن لم يتعذر لم يدفن هناك ، فإن دفن ترك . تنبيه : ما ذكر في الذمي ، أما الحربي أو المرتد فلا يدفن فيه ، بل تغرى الكلاب على جيفته ، فإن تأدى الناس بريحه ووري كالجيفة . ثم شرع في الركن الخامس وهو المال مترجما له بفصل فقال : فصل : ( أقل الجزية دينار لكل سنة ) عن كل واحد ، لما رواه الترمذي وغيره عن معاذ : أنه ( ص ) لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينار أو عدله من المعافر وهي ثياب تكون باليمن . تنبيه : ظاهر الخبر أن أقلها دينارا أو ما قيمته دينار ، وبه أخذ البلقيني والمنصوص الذي عليه الأصحاب كما هو ظاهر عبارة المصنف أن أقلها دينار ، وعليه إذا عقد به جاز أن يعتاض عنه ما قيمته دينار ، وإنما امتنع عقدها بما قيمته دينار لأن قيمته قد تنقص عنه آخر المدة ، ومحل كون أقلها دينارا عند قوتنا ، وإلا فقد نقل الدارمي عن المذهب أنه يجوز عقدها بأقل من دينار ، نقله الأذرعي وقال : إنه ظاهر متجه وقضية كلام المصنف تعلق الوجوب بانقضاء السنة . وقال القفال : اختلف قوم الشافعي في أن الجزية تجب بالعقد وتستقر بانقضاء الحول أو تجب بانقضاء وبنى عليهما إذا مات في أثناء الحول هل تسقط ؟ فإن قلنا بالعقد لم تسقط وإلا سقطت حكاه القاضي الحسين في الاسرار ، ولا حد لأكثر الجزية . ( ويستحب للإمام مماكسة ) أي مشاححة الكافر العاقد لنفسه أو لموكله في قدر الجزية حتى يزيد على دينار ، بل إذا أمكنه أن يعقد بأكثر منه لم يجز أن يعقد بدونه إلا لمصلحة ، ويسن أن يفاوت بينهم ( حتى يأخذ من متوسط دينارين ، و ) من ( غني أربعة ) ومن فقير دينارا اقتداء ب عمر رضي الله تعالى عنه كما رواه البيهقي عنه ، ولان الإمام متصرف للمسلمين فينبغي أن يحتاط لهم وللخروج من الخلاف ، فإن أبا حنيفة لا يجيزها إلا كذلك . تنبيه : هذا بالنسبة إلى ابتداء العقد ، فأما إذا انعقد العقد على شئ فلا يجوز أخذ شئ زائد عليه كما نص عليه في سير الواقدي ونقله الزركشي عن نص الام وأطلق الشيخان استحباب المماكسة ، فأخذ شيخنا من الاطلاق أن المماكسة كما تكون في العقد تكون في الاخذ واستدل بقول الأصحاب : يستحب للإمام المماكسة حتى يأخذ من الغنى إلخ وهذا لا يصلح دليلا لذلك لأن قولهم حتى يأخذ : أي إذا ماكسهم في العقد فيأخذ إلخ ، فإن أبى الكافر عقدها إلا بدينار أجيب لأنه الواجب ومعلوم مما مر أن السفيه لا يماكس هو ولا وليه لأنه لا يصح عقده بأكثر من دينار . ( ولو عقدت ) للكفار ذمة ( بأكثر ) من دينار ( ثم علموا ) بعد العقد ( جواز دينار لزمهم ما التزموه ) كمن اشترى شيئا بأكثر من ثمن مثله ثم علم الغبن ( فإن أبوا ) بذل الزيادة بعد العقد ( فالأصح أنهم ناقضون ) للعهد كما لو امتنعوا من أداء أصل الجزية فيبلغون المؤمن كما سيأتي . والثاني لا ويقنع منهم بالدينار كما يجوز ابتداء العقد به وعلى الأول لو بلغوا المأمن ، ثم عادوا وطلبوا العقد بدينار أجيبوا إليه كما لو طلبوه أولا .